في ظل الأزمات.. ملاوي أمام الاختبار الصعب لآلية المراجعة الحقوقية الأممية
ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان
بين أروقة مجلس حقوق الإنسان، حيث تُراجع الدول سجلاتها أمام المجتمع الدولي، تحضر ملاوي بوصفها نموذجاً لدولة مثقلة بالفقر والأزمات البنيوية، وتسعى في الوقت ذاته إلى إظهار التزامها بتعزيز الحريات والامتثال للمعايير الدولية.
في دورته الحادية والستين، والمنعقدة بجنيف في الفترة من 23 فبراير إلى 31 مارس، يستعرض المجلس تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل الخاص بملاوي الصادر في 10 صفحات، والذي يوثق موقف الدولة من 294 توصية تلقتها خلال جلسة الحوار التفاعلي في نوفمبر الماضي، وفقاً للإطار الإجرائي المنصوص عليه بالمجلس التابع للأمم المتحدة.
وأفاد التقرير بأن الحكومة درست التوصيات بالتشاور مع الآلية الوطنية للتنفيذ والإبلاغ والمتابعة، وهي لجنة تضم ممثلين عن الوزارات والبرلمان والسلطة القضائية والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني.
ووفق ما ذكره التقرير، ففي اجتماعها المنعقد في 2 ديسمبر 2025، حددت اللجنة موقف الدولة من التوصيات، في خطوة تعكس مسارًا مؤسسياً للتعاطي مع آلية الاستعراض الدوري الشامل.
التفاعل مع منظومة المراجعة
وانقسمت ردود ملاوي بين 228 توصية حظيت بالدعم، و65 توصية تحت بند "أحيط بها علماً"، ما يعني عدم الالتزام الفوري بتنفيذها أو إخضاعها لمزيد من الدراسة، إضافة إلى توضيح جزئي بشأن توصية واحدة، الأمر الذي يعكس التمايز في طبيعة التفاعل الدبلوماسي للدول مع منظومة المراجعة الأممية، حيث يتقاطع الالتزام الحقوقي مع اعتبارات السيادة والإمكانات الوطنية.
ومن التوصيات البارزة تلك المقدمة من البرازيل بشأن مواءمة قانون الإجراءات الجنائية وقانون الأدلة مع الحظر المطلق للتعذيب، عبر النص صراحة على عدم جواز قبول الاعترافات المنتزعة تحت وطأة التعذيب أو إساءة المعاملة، إذ أعلنت ملاوي دعمها لهذه التوصية وتأكيد التزامها بمراجعة التشريعات ذات الصلة.
وقد "أحاطت علماً" بالتوصية المتعلقة بالتصديق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، ما يترك الباب مفتوحاً أمام خطوات لاحقة في هذا المسار من عدمه.
غير أن التحديات الحقوقية في ملاوي لا تنفصل عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي، فالدولة الحبيسة في جنوب شرق إفريقيا، والتي يناهز عدد سكانها 21 مليون نسمة، تُصنف بين أفقر بلدان العالم، إذ يعيش نحو 70% من السكان تحت خط الفقر وفق بيانات البنك الدولي، وقد ارتفعت تكاليف المعيشة بنسبة 75% خلال عام واحد حتى سبتمبر 2025، في ظل أزمات متلاحقة من الجفاف والأعاصير، أبرزها إعصار مدمر ضرب البلاد في 2023.
إشكاليات في مجال حقوق الطفل
وتواجه ملاوي إشكاليات حادة في مجال حقوق الطفل، خصوصاً في قطاع زراعة التبغ، حيث أفاد خبراء أمميون مستقلون في 2022 بتلقيهم بلاغات عن حالات عمل قسري واتجار بالأطفال تؤثر في أكثر من 7000 بالغ و3000 طفل.
وتقع المزارع في مناطق نائية، ما يحد من الوصول إلى سبل الانتصاف والحماية، ويقوض حق الأطفال في التعليم، كما أشار الخبراء إلى هشاشة أوضاع النساء العاملات، في ظل عمل غير مرئي وهيمنة ذكورية تعمق قابلية الاستغلال.
وفي سياق متصل، كشف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والشرطة الملاوية في يونيو 2022 عن تفكيك شبكات إتجار بالبشر داخل مخيم دزاليكا للاجئين، حيث تم التعرف على ضحايا وإنقاذهم وإحالة متهمين إلى العدالة، في مؤشر على خطورة الظاهرة وتعقيداتها.
ولا تزال قضية الأشخاص المصابين بـ"المهق" تمثل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الحقوقية للبلاد، بعد تقارير وثقت تصاعد أعمال القتل والاعتداء بدوافع خرافية، وسط انتقادات سابقة لأداء أجهزة إنفاذ القانون في توفير الحماية الواجبة لهذه الفئة المصابة بحالة وراثية نادرة.
الحق في الغذاء
وعلى صعيد الحق في الغذاء، أعلنت السلطات في نوفمبر 2025 تمديد حالة الكارثة لتشمل جميع الأقاليم، مع توقع تفاقم الأزمة بين أكتوبر 2025 ومارس 2026، ووفق تصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكامل، يعاني نحو 4 ملايين شخص من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 8 آلاف في مستويات حرجة تهدد الحياة.
وفي هذا السياق المأزوم، حذر برنامج الأغذية العالمي مراراً من تداعيات ارتفاع الأسعار وتكرار الكوارث المناخية على الفئات الأشد فقراً في البلد الإفريقي.
في المقابل أعلنت الحكومة في يناير 2026 إلغاء الرسوم الأساسية في المدارس الثانوية الحكومية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحق في التعليم وتقليص معدلات التسرب، خاصة أن مجانية التعليم الابتدائي منذ 1994 لم تُستكمل بضمان إتاحة التعليم الثانوي للفئات محدودة الدخل.
وبين التوصيات الأممية والوقائع الميدانية، تقف ملاوي أمام اختبار حقيقي يتمثل في كيفية تحول التعهدات إلى سياسات عامة فعالة، وربط الإصلاح التشريعي بمعالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للانتهاكات، ولا سيما أن المراجعة الدورية الشاملة ليست مجرد استحقاق إجرائي، بل فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وترسيخ كرامة الإنسان بوصفها قاعدة لأي تنمية مستدامة.











